نشر الموقع الإلكتروني لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نص التقرير الشفوي المقدم من الممثلة الخاصة للأمين العام بالإنابة إلى الدورة الرابعة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان، عملاً بقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 40/27 I أمس الخميس 18 يونيو 2020 م ، وجاء فيه :

((أرحب أشد الترحيب بإتاحة الفرصة لي اليوم لمخاطبة مجلس حقوق الانسان في إطار الحوار التفاعلي بشأن ليبيا.

فمنذ الإحاطة التي قدمها في أيلول/سبتمبر من العام المنصرم، السيد غسان سلامة، الممثل الخاص السابق للأمين العام، تواصلت الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في ليبيا وسط إفلات كامل وتام من العقاب، وقد تفاقم أثر تلك الانتهاكات على السكان الآن إثر تفشي جائحة كوفيد-19.

وفي أعقاب الهجوم الذي شنته “القوات المسلحة العربية الليبية” على طرابلس في 4 نيسان/ أبريل 2019، شهدنا تحشيداً عسكرياً ينذر بالخطر جراء إرسال الدول الاجنبية الداعمة للأسلحة المتطورة والفتاكة ودون انقطاع، ناهيك عن تجنيد المزيد من المرتزقة لطرفي الصراع في انتهاك صارخ لحظر التسليح الذي تفرضه الأمم المتحدة. وخلفت “القوات المسلحة العربية الليبية” عند انسحابها من الضواحي الجنوبية لطرابلس الشهر الماضي الألغام والعبوات الناسفة مما جعل السكان العائدين عرضة لخطرها المباشر، ونجم عن ذلك مقتل مدنيين، بينهم أطفال وأفراد الأمن المكلَّفون بتطهير هذه المناطق من هذه العبوات الفتاكة.

وهكذا تستمر معاناة المدنيين أكثر من غيرهم، حيث يحتاج مليون شخص الآن إلى نوع من أنواع المساعدة الإنسانية، بما في ذلك 400 ألف ليبي من النازحين، إلى جانب 654 ألفاً من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء. في العام الماضي وحده، اضطر 225 ألف ليبي إلى الفرار من منازلهم، معظمهم داخل العاصمة وما حولها، وجاءت آخر موجة للنزوح عقب سيطرة حكومة الوفاق الوطني على مدينة ترهونة في وقت سابق من هذا الشهر.

وبين نيسان/ أبريل 2019 وحتى إخراج قوات الجنرال حفتر من جنوب طرابلس، ظل سكان العاصمة البالغ عددهم مليوني شخصاً يرزحون تحت قصف شبه مستمر الى جانب الانقطاع المتكرر لإمدادات المياه والكهرباء، وهو وضع فاقمت منه القيود المفروضة على التنقل نتيجة للتدابير الوقائية التي تم اتخاذها في إطار التصدي لجائحة كوفيد-19.

وفي الفترة من 1 كانون الثاني/ يناير إلى 31 آذار/ مارس 2020، وثقت البعثة ما لا يقل عن 131 إصابة في صفوف المدنيين (64 حالة وفاة و67 إصابة بجروح)، كان السبب الرئيسي فيها هو القتال البري، حيث تُنسب 81 في المائة من الإصابات إلى “القوات المسلحة العربية الليبية”، وهو ما يمثل زيادة في عدد الإصابات بين المدنيين بنسبة 45 في المائة مقارنة بالربع الأخير من عام 2019. وفي الفترة ما بين 1 نيسان/ أبريل و11 حزيران/ يونيو من هذه السنة، زادت الإصابات في صفوف المدنيين على نحو كبير حيث بلغ عدد الخسائر التي وثقتها البعة 250 شخصاً، بما في ذلك مقتل 82 مدنياً واصابة 168 آخرين. وفي عام 2020، وثقت منظمة الصحة العالمية ما لا يقل عن 21 اعتداءاً على المرافق الطبية وسيارات الإسعاف والعاملين في المجال الطبي، وذلك في أحد أكثر مظاهر هذا النزاع الجاري ترويعاً.

ومع استمرار الأعمال العدائية وانتقال خطوط القتال إلى وسط البلاد وتصعيد الاستقطاب الاجتماعي، فإنني ألاحظ بقلق تزايد الأعمال الانتقامية. فقد صاحبت سيطرة المجموعات التابعة لحكومة الوفاق الوطني على بلدات ساحلية غربية في نيسان/أبريل تقارير عن أعمال ثأر بما في ذلك أعمال نهب وسرقة وإحراق للممتلكات العامة والخاصة.

 وفي الآونة الأخيرة، ومع استعادة حكومة الوفاق الوطني لمدينة ترهونة من اللواء التاسع “الكانيات”، وهي مجموعة مسلحة تابعة “للقوات المسلحة العربية الليبية”، تلقينا بشديد الاستياء أخباراً تفيد باكتشاف مقابر جماعية متعددة، فضلاً عما أفيد من اكتشاف العديد من الجثث في مستشفى ترهونة. وقد تلقت البعثة الآن طلباً رسمياً من حكومة الوفاق الوطني لتقديم دعم في صورة مساعدة فنية للسلطات الوطنية بشأن المقابر الجماعية، بما في ذلك المشاركة في التحقيق بشأن المقابر الجماعية في جنوب طرابلس وترهونة والتعرف على هويات الضحايا وتحديد مواقع جميع المقابر الجماعية وجمع الأدلة وفقاً للمعايير الدولية. وفقد تلقت البعثة أيضاً تقارير عن مئات من حالات الاختفاء القسري والتعذيب والقتل وتشريد عائلات بأكملها في ترهونة خلال السنوات الأخيرة، وقد طالبنا السلطات بإجراء تحقيق فوري ونزيه في جميع حالات القتل غير المشروع المزعومة. 

ولا يزال زهاء 8800 شخص محتجزين في 28 سجناً رسمياً في ليبيا، بينهم ما يقدر بـ 500 من النساء ونحو 60 بالمائة من النزلاء رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة. وهناك أيضاً نحو 10 آلاف شخص محتجزين في مراكز احتجاز خاضعة لسلطة المجموعات المسلحة. ولا تزال البعثة تتلقى تقارير موثوقة عن الاحتجاز التعسفي أو غير القانوني والتعذيب والاختفاء القسري وعمليات القتل خارج نطاق القانون والحرمان من الزيارات العائلية وزيارات المحامين والحرمان من الوصول إلى العدالة. وأرحب هنا بالتقارير التي تفيد عن إخلاء سبيل السجناء، رغم عدم تأكيد ذلك حتى الآن، وذلك في سياق جائحة “كوفيد 19” وكلي أملٌ أن أن تكون هذه التقارير مؤكدة. وقد دعوت السلطات مراراً إلى الإفراج عن مزيد من السجناء، ولاسيما النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية وكبار السن والمهاجرين واللاجئين.

ولا يزال المهاجرون وطالبو اللجوء في ليبيا يتعرضون بشكل مستمر للاحتجاز التعسفي والتعذيب، بما في ذلك العنف الجنسي، والاختطاف مقابل فدية والابتزاز والسخرة والقتل غير المشروع. ففي 27 أيار/مايو، قُتل ما لا يقل عن 30 مهاجراً وأصيب 11 آخرين بجروح في مزدة على يد مجموعة مسلحة ذات صلة بالمتجرين بالبشر و”القوات المسلحة العربية الليبية”. ومنذ كانون الثاني/يناير، تم اعتراض أكثر من 4000 شخص في البحر وإعادتهم إلى ليبيا، في أغلب الأحيان إلى ظروف احتجاز تعسفية، بينما اختفى آخرون تماماً. وتؤكد البعثة أن ليبيا ليست ملجأ آمناً لإعادة المهاجرين وطالبي اللجوء. كما تلقينا تقارير عن عدم تقديم المساعدة وصدّ قوارب المهاجرين في عرض البحر الأبيض المتوسط، الذي لا يزال أحد أكثر طرق الهجرة فتكاً في العالم.

وقد استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تزال، بشكل متزايد للتحريض على الكراهية والعنف في ليبيا، وكثيراً ما تُنشر على الإنترنت صور لأشخاص يرتكبون جرائم حرب، بما في ذلك التمثيل بالجثث، مما يعمق أكثر من تفتت النسيج الاجتماعي الهش أصلاً. وما يزال المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون وغيرهم من الإعلاميين يتعرضون للترهيب والتهديد والاحتجاز التعسفي. في الشهر المقبل، ستمر سنة على اختطاف عضو البرلمان السيدة سهام سرقيوة بعنف من منزلها في بنغازي. وما حالة السيدة سرقيوة إلا واحدة من حالات لا حصر لها من الاختفاء القسري في ليبيا. ويؤكد اختفاؤها حالة الإفلات من العقاب السائدة في البلاد، وفي هذه الحالة إسكات أحد الأصوات النسائية البارزة في ليبيا وتخويف الأصوات الأخرى الساعية للمشاركة في الحياة السياسية في البلاد. وهنا ندعو السلطات المعنية إلى إجراء تحقيق شامل في اختفاء السيدة سرقيوة وتقديم معلومات عن مكان تواجدها ومحاسبة المسؤولين عن هذا الاعتداء.

إن الأولوية الرئيسية للأمم المتحدة هي إيجاد حل سلمي للنزاع الحالي في إطار الخلاصات التي تم إقرارها خلال المؤتمر الدولي الذي عُقد  في 19 كانون الثاني/ يناير في برلين وقرار مجلس الأمن رقم 2510. وتبقى مهمتنا مساعدة الليبيين على إعادة بناء دولة لها من القوة ما يكفي لاحتواء الاختلافات السياسية بشكل سلمي. وأرحب هنا باستئناف اللجنة العسكرية المشتركة 5 + 5 لمفاوضاتها حول وقف إطلاق النار بناء على  مسودة اتفاق وقف إطلاق النار التي تم تسليمها لكلا الطرفين في 23 شباط/ فبراير 2020. ونقدر اهتمام ومساهمة المشاركين في مسار برلين والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية على حد سواء في لجنة المتابعة الدولية حول ليبيا، حيث إن سبب وجود هذه اللجنة هو ضمان تنفيذ التزامات برلين. وقد بدأت المناقشات في في مجموعات العمل المواضيعية الأربعة التي أنشئت في إطار اللجنة، بما في ذلك فريق عمل مخصص للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. ونتطلع إلى دعمكم المتواصل لتحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة.

ومع الأخذ في الاعتبار هذه الحاجة إلى منجزات ملموسة، وإلى جانب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أؤكد بأن تفويض مجلس حقوق الإنسان لإنشاء آلية تحقيق سيكون أبسط وأقوى أساس لتعزيز المساءلة التي تشتد الحاجة إليها في ليبيا. وبالنظر إلى الانتهاكات الخطيرة المستمرة التي تحدث كل يوم في البلاد، فإن إنشاء مثل هذه الآلية سيكون مهماً. لذا أرحب بشدة بمشروع القرار المقدم إلى المجلس في هذا الصدد بدعم من دولة ليبيا.

شكراً لكم.)) .