بعد عودة الدفء للعلاقات بين القوتين الإقليميتين اللتين كانتا على طرفي نقيض بشأن ملفات المنطقة، وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإمارات الإثنين في أول زيارة له للبلد الخليجي الثري منذ نحو عشر سنوات.

كان في استقبال أردوغان ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حاكم الإمارات الفعلي، الذي زار أنقرة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حين جرى توقيع اتفاقات استثمارية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

وقال أردوغان للصحافيين في مطار أتاتورك بإسطنبول قبل مغادرته “نستهدف خلال هذه الزيارة البناء على ما اكتسبناه (في العلاقات) مع الإمارات واتخاذ الخطوات اللازمة لعودة العلاقات إلى المستوى الذي تستحقه”.

وأضاف “للحوار والتعاون بين تركيا والإمارات أهمية كبرى لسلام واستقرار منطقتنا برمتها”.  

وتأتي زيارة أردوغان التي تستمر يومين وهي الأولى له منذ شباط/فبراير 2013 حين كان رئيسا للوزراء، بينما تشهد تركيا مصاعب اقتصادية كبرى وتبحث عن استثمارات أجنبية جديدة، وفيما تواجه الإمارات خطرا أمنيا متزايدا من قبل الحوثيين اليمنيين.

وتتنافس الإمارات وتركيا على النفوذ في المنطقة منذ اندلاع الانتفاضات العربية قبل عقد من الزمن. ودفعتهما المنافسة إلى دعم أطراف مختلفة في الحرب الأهلية الليبية، وامتدت إلى نزاعات من شرق البحر المتوسط ​إلى الخليج.

ويأتي الدفء في العلاقات الدبلوماسية بينما تواجه تركيا اضطرابات اقتصادية، ومع اتباع الإمارات لسياسة خارجية أكثر تصالحا مدفوعة بالأولويات الاقتصادية.

وأبرم البلدان الشهر الماضي اتفاقا لتبادل العملات بقيمة بلغت قرابة خمسة مليارات دولار بالعملتين المحليتين. وقال أردوغان إن تركيا والإمارات ستسعيان خلال زيارته إلى تعزيز التجارة الثنائية والبحث عن فرص في “الهياكل التكميلية لاقتصادي البلدين”.

اتفاقات تجارية

وقالت مصادر تركية إن من المتوقع أن يبدأ البلدان رسميا مفاوضات حول اتفاق تجاري ويوقعا مذكرات تفاهم تتناول مجالات المناخ والصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والصحة والزراعة.

أضافت المصادر أن من المتوقع أيضا توقيع الجانبين خطاب نوايا لبدء اجتماعات التعاون في قطاع صناعة الدفاع، فضلا عن مذكرة تفاهم بشأن التعاون الاستثماري. وبدأت تركيا، وهي على خلاف مع عدد من القوى في المنطقة وكذلك مع حلفائها الغربيين حول قضايا مختلفة، حملة لتحسين علاقاتها العام الماضي، لكن جهودها مع مصر والسعودية لم تسفر في ما هو معلن حتى الآن عن تحسن يذكر.

وشهدت العلاقات بين البلدين توترا بعد المقاطعة التي فرضتها السعودية ودول أخرى بينها الإمارات على قطر، أقرب حلفاء أنقرة، واستمرت من منتصف عام 2017 حتى أوائل العام الماضي.

كما دعمت الإمارات وتركيا أطرافا متنازعين في الحرب في ليبيا، واختلفتا بشأن مسألة التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط. وقدمت تركيا الدعم كذلك لأعضاء في جماعات إسلامية بينها “الإخوان المسلمون” المصنفة تنظيما إرهابيا في الإمارات والخليج.

لكن العلاقات عادت للتحسن مع زيارة قام بها ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى تركيا في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، هي الأولى لمسؤول إماراتي بهذا المستوى منذ 2012.

وقبل وقت قصير من مغادرته، قال أردوغان في مؤتمر صحفي الإثنين إن “الحوار والتعاون بين تركيا والإمارات مهمان لسلام واستقرار المنطقة بأسرها”.

وأضاف “سنناقش التطورات الإقليمية والدولية بالتفصيل خلال محادثاتنا اليوم وغدا (الثلاثاء)” ، مضيفا أنه “ستتم مناقشة الوضع بين أوكرانيا وروسيا الذي عرضت أنقرة التوسط فيه”.

وفي مقال نشرته صحيفة “خليج تايمز” الإماراتية قبيل زيارته، كتب الرئيس التركي أن “تركيا والإمارات يمكن أن يسهما معا في السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي”، مضيفا “سيكون لهذا التعاون انعكاسات إيجابية ليس فقط في العلاقات الثنائية ولكن أيضا على المستوى الإقليمي”.

تقارب ومصالحة

وتجري الزيارة بينما تعمل الإمارات، الطامحة للعب دور دبلوماسي كبير، على إصلاح علاقاتها مع جاراتها وخصوصا قطر وإيران.

كما تواجه الإمارات تهديد الحوثيين في اليمن الذين شنوا هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة غير مسبوقة ضدها، ما دفع بأبوظبي إلى زيادة تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة وفرنسا لمواجهة هذا التهديد.

وقال أردوغان “نحن لا نفصل بين أمن واستقرار دولة الإمارات وإخواننا الآخرين في منطقة الخليج، وأمن واستقرار بلدنا. نحن نؤمن بشدة بأهمية تعميق تعاوننا في هذا السياق في المستقبل”.  

في المقابل، أكد وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق أن الإمارات تعتبر التعاون الاقتصادي في مختلف المجالات، بما في ذلك الدفاع، “جزءا لا يتجزأ من استراتيجيتها ورؤيتها للمستقبل”.

وأوضح في مقابلة مع وكالة الأناضول نشرت الإثنين “أعتقد أن هذه رؤية مشتركة بين الإمارات وتركيا، والإمارات حريصة على توسيع شراكتها مع تركيا في مختلف المجالات الحيوية بالإضافة إلى قطاع الدفاع”.

من جانبه، واعتبر المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش على تويتر عشية وصول أردوغان أن الزيارة “تفتح صفحة إيجابية جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين”.

وخلال زيارة ولي عهد أبوظبي لتركيا، جرى تأسيس صندوق بقيمة عشرة مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا، في خطوة أتت غداة تسجيل الليرة التركية انخفاضا كبيرا أمام الدولار.

المصدر : فرانس24/ أ ف ب/ رويترز