تنكب اللجنة الاجتماعية في مجلس الشيوخ الفرنسي، الغرفة العليا من البرلمان، الجمعة 12 كانون الثاني/ يناير على مشروع قانون “اعتذار” من الحركيين، تمهيدا لقراءة جديدة من المجلس في 25 من الشهر الجاري، بعد تبنيه من طرف الجمعية الوطنية، الغرفة السفلى في 18تشرين الثاني/نوفمبر الأخير. وجاء المشروع بمبادرة من الرئيس إيمانويل ماكرون، أطلقها في 20 سبتمبر/أيلول من العام الماضي، في خطوة شكلت سابقة في تاريخ الجمهورية على مستوى مقاربتها لهذا الملف البالغ الحساسية.

في 20 سبتمر/أيلول 2021 خطا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطوة غير مسبوقة في اتجاه جبر ضرر الحركيين الذين حاربوا إلى جانب الاستعمار الفرنسي في الجزائر بين 1954 و1962، معلنا عن مشروع قانون “اعتذار” في حفل تكريم بقصر الإليزيه، وطلب في الوقت نفسه منهم الصفح “باسم فرنسا”.

وبعد مصادقة النواب عليه في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 في الجمعية الوطنية، الغرفة السفلى بالبرلمان الفرنسي، تنكب اللجنة الاجتماعية في مجلس الشيوخ الأربعاء 12 كانون الثاني/يناير على هذا المشروع، على أن يعرض أمام أعضائه في 25 من الشهر الجاري للتصويت عليه.

والحركيون مقاتلون سابقون يصل عددهم إلى 200 ألف جندوا في صفوف الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر. وفي ختام هذه الحرب تعرض جزء من هؤلاء المقاتلين الذين تخلت عنهم باريس لأعمال انتقامية. ونقل عشرات الآلاف منهم برفقة الزوجات والأطفال إلى فرنسا حيث وضعوا في “مخيمات مؤقتة “لا تتوافر فيها ظروف العيش الكريم.

أبرز مضامين المشروع

ويعد المشروع ترجمة قانونية لخطاب ماكرون في 20 سبتمبر/أيلول أثناء حفل تكريم لهذه الشريحة بالإليزيه. ويشمل خطوات رمزية وأخرى عملية، ويعترف بـ”الخدمات التي قدمها في الجزائر الأعضاء السابقون في التشكيلات المساندة التي خدمت فرنسا ثم تخلت عنهم أثناء عملية استقلال هذا البلد”.

كما يعترف النص بـ”ظروف الاستقبال غير اللائقة” لتسعين ألفا من الحركيين وعائلاتهم الذين فروا من الجزائر بعد استقلالها. وبهذا الخصوص، تقول الوزيرة المنتدبة المكلفة بشؤون الذاكرة وقدامى المحاربين جينيفيف داريوسيك أن “نحو نصفهم تم ترحيلهم إلى مخيمات وضياع” أنشئت خصيصا لهم، معتبرة أنها كانت “صفحة قاتمة لفرنسا”.

وينص مشروع القانون على “التعويض” عن هذا الضرر مع مراعاة طول مدة الإقامة في تلك الأماكن. ويشمل التعويض “المقاتلين الحركيين السابقين وزوجاتهم الذين استقبلوا بعد عام  1962… في ظروف غير لائقة، وكذلك أطفالهم الذين جاؤوا معهم أو ولدوا هنا”، وفق ما أوضحت مقررة مشروع القانون باتريسيا ميراليس المنتمية لحزب الرئيس “الجمهورية إلى الأمام”.

وأضافت ميراليس: “أنه يمكن تقديم ستة آلاف ملف اعتبارا من عام 2022، 2200 منها لقدامى المحاربين الحركيين وزوجاتهم وأراملهم”، وأوضحت أنها ستدافع عن تعديل “لدمج حالات معينة لا يشملها التعويض في النسخة الحالية”. ورُصدت خمسون مليون يورو في مشروع موازنة العام 2022 لصرف التعويضات. وفي 2018 تم إنشاء صندوق تضامن بقيمة 40 مليون يورو على مدى أربع سنوات لأبناء الحركيين.

خطوة لقيت انتقادات

واعتبر قرار ماكرون استثنائيا بكل المقاييس، ولم يسبق أن بادر أي رئيس فرنسي آخر لتبني صيغة من الصيغ المشابهة لهذا المشروع، إذ يشكل بداية لقطيعة في التعاطي مع ملف هذه الشريحة التي ظلت مطالبها تراوح مكانها، رغم طفوها على سطح الساحة السياسية الفرنسية خلال ولاية كل رئيس جديد.

وكانت كلمات الرئيس الفرنسي في حفل تكريم الحركيين في 20 سبتمبر/أيلول والإعلان عن هذا المشروع، تردد صداها في الإعلام الفرنسي على نطاق واسع. ومن ضمن ما قال فيها: “”أقول للمقاتلين: لكم امتناننا، لن ننسى. أطلب الصفح، لن ننسى”.

كما أضاف، محملا بلاده المسؤولية فيما آلت إليه أوضاعهم: “لقد ضحوا بدمائهم من أجل فرنسا، وقد خدموها وجازفوا بحياتهم وعائلاتهم” من أجلها “مقرا بأن سلطات باريس “لم تقم بواجبها إزاء الحركيين وعائلاتهم بعد نهاية حرب الجزائر”، ما تسبب لهم في عدة مآسي.

لكن هذه الخطوة لم تلتقطها المعارضة بنفس الحماس التي عبرت عنه الأطراف السياسية الأخرى. وتحدثت رئيسة “التجمع الوطني” مارين لوبان عن “سخاء انتخابي”، فيما قالت نائبة من حزب “الجمهوريين” إن “ماكرون ينفذ استراتيجية للإغداق على فئات يمكن أن تساهم في إعادة انتخابه”.

لكن مقررة مشروع القانون باتريسيا ميراليس المحسوبة على حزب الرئيس “الجمهورية إلى الأمام”، عقبت قائلة: “لسنا مدافعين جددا عن الحركيين قبل ستة أشهر من الانتخابات، على العكس اليمين واليمين المتطرف اللذين أعادا مؤخرا فقط التركيز على الملف”. وكان 33 نائبا من حزب “الجمهوريين” قد طلبوا من ماكرون في يوليو/تموز تقديم “تعويضات خاصة” لهذه الفئة، التي يخصص لها يوم للتكريم في كل 25 سبتمبر/أيلول بموجب مرسوم صدر في 2003.

المصدر : فرانس 24