كشفت صحيفة “واشنطن بوست” ومنظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية غير الحكومية شهادات جنود إسرائيليين سابقين، ذُكر فيها قيام الجيش الإسرائيلي بإنشاء قاعدة بيانات كبيرة من الصور والمعلومات حول الفلسطينيين.

عقب هذه التسريبات حول أعمال المراقبة التكنولوجية للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، غرد إدوارد سنودن، المخبر الشهير الذي كان خلف فضيحة برنامج التجسس لوكالة الأمن القومي الأمريكية عام 2013، قائلا “لقد حذرت في الماضي من أن هندسة القمع أصبحت قريبة. ها قد وصلت”.

فقد أنشأ جيش الدفاع الإسرائيلي “فيسبوك سري للفلسطينيين”، بحسب تعبير أحد الجنود السابقين الذين قابلتهم الصحيفة الأمريكية، وتم ربطه بنظام التعرف على الأوجه المستخدم في المناطق التي تعتبر “الأكثر عرضة للخطر” في الضفة الغربية، مثل مدينة الخليل.

“التقاط أكبر عدد ممكن من الصور”

بدأ كل شيء منذ عامين تقريبا من خلال هواتف ذكية مزودة ببرنامج للتعرف على الوجه يسمى “بلو وولف” أي “الذئب الأزرق”، قام الجيش الإسرائيلي بتوزيعها على الجنود الإسرائيليين المتمركزين في الخليل، وفقا لشهادات عديدة جمعتها منظمة “كسر الصمت”، وهي منظمة غير حكومية إسرائيلية تعمل مع الجنود السابقين لتوثيق انتهاكات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.

بعد ذلك، قام الجنود بالتقاط صور للفلسطينيين بهدف تغذية قاعدة بيانات، توسعت يوما بعد يوم، حتى أصبحت تحتوي على آلاف الوجوه المرتبطة بأسماء وعناوين ومعلومات أخرى يمكن لأجهزة المخابرات الإسرائيلية معرفتها عن هؤلاء الأفراد.

ويذكر جندي سابق كان مركز خدمته في منطقة الخليل عام 2020، في إفادة نشرتها منظمة “كسر الصمت”، أنه كان “المطلوب أخذ صور عن الجميع، حتى ولو كانوا أطفالا أو عجزة”. ويضيف “لم نكن بحاجة إلى وجود شبهات حول الأشخاص ليتم تصويرهم، بل كل المطلوب منا هو التقاط أكبر عدد ممكن من الصور”. “كما كان هناك نوع من المنافسة بين الوحدات”. كما أشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن الأشخاص الذين يلتقطون صورا عالية الأهمية بالنسبة للمخابرات، كانوا يحصلون على مكافآت قد تصل إلى أيام أذونات إضافية.

ويتيح هذه النظام للجنود مراجعة قاعدة البيانات الفوتوغرافية بشكل فوري أثناء عمليات التحقق من الهوية في الضفة الغربية. ويخبر أحد الجنود أنه بعد مراجعة قاعدة البيانات “نتلقى مؤشرات عن طريق رمز الألوان لكل فرد. فاللون الأصفر يعني أنه يتعين احتجاز الشخص، أما اللون الأحمر اعتقاله، والأخضر يعني السماح له بالمرور”.

إلى ذلك، أوضح أحد الجنود السابقين الذين عملوا على اختبار برنامج “الذئب الأزرق” قائلا “للحصول على هذه المعلومات، نقوم بمسح ‘باركود’ على أوراق هوية الشخص الذي يتم التحقق منه، أو إذا لم يكن يحمل أوراقه الثبوتية، فيمكننا مسح وجهه مباشرة باستخدام البرنامج الموجود على الهاتف”.

“مدينة الخليل الذكية”

وتلفت “واشنطن بوست” إلى أن برنامج “الذئب الأزرق” موصول أيضا على شبكة كاميرات مراقبة منتشرة في الخليل. هذا النظام، الذي أطلق عليه اسم “مدينة الخليل الذكية”، يمكن الجيش الإسرائيلي من “التعرف على الفلسطينيين حتى قبل أن يقدموا أوراق هويتهم أثناء مراقبة عند نقطة تفتيش”.

تجدر الإشارة إلى أن السلطات الإسرائيلية تقدم نظام “مدينة الخليل الذكية” ببساطة على أنه شبكة تقليدية من كاميرات المراقبة، تستخدم لمساعدة جيش الدفاع الإسرائيلي في محاربة “الخطر الإرهابي”.

“جزء من الصين” في الضفة الغربية

لكن يتبين من الشهادات التي كشفتها “واشنطن بوست”، والربط بين “مدينة الخليل الذكية” وقاعدة بيانات الصور الفوتوغرافية، أن “الذئب الأزرق” لديه خصائص “الأخ الأكبر” شبيهة بالنسخة الصينية. فقد تعرضت بكين لانتقادات واسعة النطاق لاستخدامها تقنية التعرف على الوجه من أجل السيطرة على الأقلية المسلمة من الأويغور.

وفي هذا الإطار، انتقد حجي مطر، الصحفي الإسرائيلي المعروف بمواقفه المناهضة لتواجد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، الممارسات الإسرائيلية معتبرا أن تل أبيب “تقيم جزءا صغيرا من الصين في الضفة الغربية”.

ماذا عن “الذئب الأبيض”؟ 

من جهة أخرى، ذكرت شهادات الجنود السابقين أن الجيش الإسرائيلي ليس الوحيد الذي يستفيد من المعلومات الموجودة في قاعدة البيانات. فقد أنشأت السلطات برنامجا موازيا، أطلق عليه اسم “الذئب الأبيض”، وهو مخصص للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية ويتيح لهم الوصول إلى قاعدة البيانات عن طريق مسح الأوراق الثبوتية للفلسطينيين الذين يرغبون في العمل داخل المستوطنات اليهودية. فهذه النسخة تعطي تفاصيل أقل من النسخة العسكرية، وتقتصر على المعلومات المتعلقة بتصاريح العمل والقيود المحتملة على الحركة”.

من جانبه، لم ينف الجيش الإسرائيلي، في اتصال مع فرانس24، وجود برنامج “الذئب الأزرق”، لكنه أضاف ببساطة أنه “من المستحيل إعطاء تفاصيل عن القدرات العملياتية للجيش الإسرائيلي”.

يذكر أن استخدام تقنية التعرف على الوجه لأغراض أمنية يشكل أمرا حساسا في إسرائيل كما في أي مكان آخر. فقد واجه قانون إدخال كاميرات التعرف على الوجه في جميع أنحاء إسرائيل، والذي تم تقديمه في يوليو/تموز 2021، معارضة قوية من الجمعيات التي تدافع عن خصوصية الأفراد. واعتبرت هذه الجمعيات أن هذا ليس انتهاك للحياة الخاصة فقط، ولكن فعالية التعرف على الوجه لا تزال بعيدة عن الدقة.

ورغم أن الانتقادات تمكنت من تعطيل مشروع القانون، ولو مؤقتا، على كامل الأراضي الإسرائيلية. إلا أن ذلك لم يمنع الجيش الإسرائيلي من نشر هذه التكنولوجيا في الضفة الغربية “من دون علم السكان”. وهذا ما تعتبره جمعية “كسر الصمت” “دليل آخر على أنه عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فالجيش الإسرائيلي لا يأخذ بعين الاعتبار أبسط معايير حقوق الإنسان”.

المصدر : فرانس 24