سلمت وزارة الدفاع الفرنسية الثلاثاء للبرلمان التقرير السنوي حول مبيعات فرنسا للأسلحة. تقرير تنتظره بفارغ الصبر منظمات غير حكومية التي لطالما انتقدت تجارة تدور غالبا رحاها في الخفاء بين الدول.

تنشر الحكومة الفرنسية الثلاثاء التقرير السنوي للمبيعات العسكرية لفرنسا. ويتزامن صدور هذا التقرير مع استطلاع للرأي قامت به منظمة العفو الدولية تبين فيه أن 3 فرنسيين من أصل 4 يطالبون الحكومة بشفافية أكثر في هذا المجال وبتكثيف المراقبة على الشركات المصدرة للأسلحة. 

ويشير هذا الاستطلاع الذي أجراه معهد “هاريس أنتر أكتيف” من 13 إلى 27 مايو/أيار الماضي أن 72 بالمئة من بين 2000 شخص تم استطلاعهم، يعتبرون أن تجارة الأسلحة من قبل فرنسا تتنافى مع المبادئ والقيم الديمقراطية التي تدافع عنها. فيما طالب المستطلعون بإجراء نقاش سنوي عام ومفتوح حول هذا الملف. أكثر من ذلك، فالاستطلاع أظهر أن 3 فرنسيين من أصل 4 يعتقدون أن على فرنسا تعليق صادرتها في مجال الأسلحة للبلدان التي تورطت في حروب أهلية، على غرار اليمن. 

أسئلة “عاجلة ومصيرية  

وتعقيبا على نتائج الاستطلاع، قال أيمريك ألوين، من منظمة العفو الدولية لفرانس24 “إن هذه النتائج منطقية جدا. نحن نشعر بأن المبيعات الفرنسية للأسلحة أصبحت موضع اهتمام من قبل الكثير”، مضيفا أن “الوضع تحسن قليلا في السنوات الأخيرة وذلك بفضل عامل التوعية”. 

هذا، وبالرغم من أن التقرير السنوي في 2020 حول مبيعات فرنسا للأسلحة لعام 2019 كشف عن معطيات مالية مهمة، إلا أنه “لا تزال هناك العديد من مناطق الظل” حسب أيمريك ألوين، الذي أكد أنه “إذا أردنا تقييم المخاطر الناتجة عن مبيعات الأسلحة، فعلينا قبل كل شيء أن نرسم صورة كاملة حول الصادرات الفرنسية للأسلحة. لكن للأسف لغاية الآن لا نملك جميع المعطيات والمعلومات في هذا المجال”. 

هذا، وكشف التقرير أن رغم ظهور أسماء بعض البلدان التي تستورد الأسلحة من فرنسا، إلا أن الدول الحقيقية التي تستلمها في نهاية المطاف مجهولة وغير واردة في التقرير. على سبيل المثال، التقرير أظهر “أن فرنسا باعت كميات من الأسلحة للمملكة العربية السعودية ، لكن دون أن نعلم إلى أية جهة ستذهب هذه الأسلحة”، منوها أن “هناك فرق بين بيع الأسلحة للحرس الملكي السعودي وللقوات الجوية الملكية”. 

وأضاف المسؤول في منظمة العفو الدولية “ندرك جيدا أن التحالف الدولي الذي يخوض الحرب في اليمن يقوم أساسا بتوجيه ضربات جوية. لكن إيمانويل ماكرون أكد أنه تحصل على ضمانات حول عدم استخدام الأسلحة الفرنسية في النزاع. لكن ما هي هذه الضمانات؟ نحن نريد أن نثق بذلك لكن يلزمنا أدلة موثقة”. وتابع “هذه المسائل عاجلة ومصيرية. يجب التأكد من أن مبيعات الأسلحة تنسجم مع الالتزامات الدولية لفرنسا وأن الأسلحة التي تبيعها باريس لا تستخدم من أجل تنفيذ فظائع”. 

“نقص الإرادة السياسية”

وحسب استطلاع الرأي 80 بالمئة من الفرنسيين قالوا بأنهم لا يملكون المعلومات الكافية لفهم رهانات هذا الملف (بيع الأسلحة من قبل فرنسا) وتداعياته. “كلما كانت السلطات غامضة إزاء الملف كلما كان موضوع إعادة النظر فيه صعبا”، يقول هذا المسؤول في منظمة العفو الدولية، فيما دعا “الحكومة الفرنسية والبرلمان إلى فتح نقاش عمومي حول هذا الملف العالي الحساسية”. 

تنص المادة 24 من الدستور الفرنسي أن من بين مهمات البرلمان مراقبة ومتابعة سياسة الحكومة. لكن لغاية اليوم لا توجد أية مراقبة فيما يتعلق بتجارة الأسلحة . فهل هذا يعني أن البرلمانيين الفرنسيين لا يهتمون بهذا الملف الحساس؟ يقول هذا المتحدث. 

وحول هذا الموضوع بالذات، يرى بعض المراقبين أن ثمة مجموعة من البرلمانيين لا تهمهم حقا مسألة بيع الأسلحة من قبل فرنسا. “بعض النواب لا يقرأون التقارير بالرغم من أنهم أعضاء في لجنة الدفاع التي تنشط في الجمعية الوطنية الفرنسية”، يقول سيبستيان نادو، نائب سابق في الجمعية الوطنية الفرنسية باسم حزب “الجمهورية إلى الأمام” الحاكم وعضو في كتلة برلمانية جديدة يطلق عليها اسم “الحريات والمناطق”. وأضاف “لا يوجد إرادة سياسية لجعل هذه المسائل أكثر شفافية”. 

هذا، وكان النائبان جاك مير وميشال تبارو من حزب “الجمهورية إلى الأمام” قد نشرا تقريرا حول مبيعات فرنسا للأسلحة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. فيما اقترح النائبان خلق هيئة لتقييم مدى مراقبة ومتابعة البرلمان الفرنسي للسياسة الحكومية في هذا المجال. لكن هذا الاقتراح بقي مجرد حبر على ورق.  

الوضع مختلف في دول أوروبية أخرى. فالبرلمانيون في بريطانيا وألمانيا أو هولندا يملكون الحق في متابعة ملفات بيع الأسلحة من قبل حكوماتهم. بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ذهبت بعيدا في هذا المجال إذ أصبحت تجري تحقيقات لمعرفة إلى أين ذهبت الأسلحة التي باعتها وكيف استعملت ولأي غرض. أما في فرنسا، “الغموض لا يزال سيد الموقف”. 

“فتح تحقيق”

وأمام الغموض الذي يلف القضايا المتعلقة ببيع الأسلحة من قبل فرنسا، قررت منظمة العفو الدولية رفع دعوى قضائية ضد باريس أمام المحكمة الجنائية الدولية وطالبت بفتح «تحقيق” في هذا المجال. ويتوقع أن تعلن عن نتائج التحقيق خلال شهر يونيو/حزيران الجاري.  

من جهته، طالب سيبستيان نادو من حزب “الجمهورية إلى الأمام” في 2017 بخلق لجنة تحقيق برلمانية حول استخدام الأسلحة الفرنسية في اليمن، “لكنه لم يتحصل سوى على 70 توقيعا” حسب ما صرح به. 

بل بالعكس بعض الذين وقعوا في البداية سحبوا توقيعاتهم إثر تلقيهم ضغوطات من الحكومة حسب سيبستيان نادو، الذي أكد أنه “فهم في النهاية أن مطلبه لن يتحقق ولا توجد هناك أية إرادة سياسية لفرض الشفافية في هذا المجال”. 

ووفق هذا النائب، فأمانة وزارة الدفاع الفرنسية والأمن العام هما اللذان يملكان مثل هذه المعلومات. وواصل “مناطق الظل تؤثر بشكل سلبي على الشركات الصغيرة التي تصنع الأسلحة. فلا تستطيع على سبيل المثال الحصول على قروض بنكية، مما قد يؤثر على نموها بشكل خاص وعلى الاقتصاد الفرنسي بشكل عام”.   

تقرير عام 2021 بالتفصيل 

وفي تصريح لفرانس24، أكدت مصالح وزارة الدفاع الفرنسية أنها تعمل دائما على فرض الشفافية في مجال بيع الأسلحة. 

وقال هيرفيه غرانجان الناطق الرسمي باسم الوزارة: “التقرير الذي تم تسليمه للبرلمانيين يحتوي على تفاصيل كثيرة ودقيقة”. وأضاف “البرلمانيون الذين ينتقدونه هم في غالب الأحيان أولئك الذين لم يتمكنوا من قراءته بشكل كامل نظرا لاحتوائه على 130 صفحة وعلى تفاصيل كثيرة ودقيقة”.  

وفي خطوة لإظهار أن وزارة الدفاع تعمل بكل شفافية، قررت الوزارة هذه السنة كشف عدد رخص بيع الأسلحة التي لم تمنحها الوزارة لتجار الأسلحة. “هذه الطريقة، حسب هيرفيه غرانجان، المراد منها إبداء بأن فرنسا ترفض أيضا طلبات بعض الدول التي تريد اقتناء أسلحة فرنسية، لأنها لا تدخل في إطار التزاماتها الدولية. هناك طلبات عديدة لاقتناء الأسلحة لم تظهر في التقرير السنوي لسبب بسيط وهو أن فرنسا رفضت بيع الأسلحة لهذه الدول”.  

أسرار الدولة وأسرار عالم التجارة 

وأنهى الناطق الرسمي “يجب تقبل وجود مناطق الظل، لأن بعض مشتريي الأسلحة لا يرغبون دائما في الكشف عن العقود التجارية التي وقعوا عليها، ويطالبون باحترام مبدأ “السرية في التعاملات التجارية”.  

وإضافة إلى هذا، ففي بعض الأحيان الواقع الأمني لبلد ما هو الذي يفرض نفسه. ففرنسا مثلا لا يمكن أن ترفض بيع الأسلحة لقوات أجنبية كمصر التي تحارب الإرهاب وتسعى إلى ضمان أمنها”. 

وفي الأخير، يعتقد سيبستيان نادوا أن “هذه المسألة أصبحت تحظى باهتمام متواصل من قبل البرلمانيين منذ 2017”. كما يتوقع أيضا أن تكون من بين النقاط الحساسة التي سيناقشها المرشحون للانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2022.

المصدر : فرانس 24