تنطلق هذا الأسبوع المفاوضات التقنية بين تونس وصندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض بقيمة 4 مليار دولار وهو أعلى مبلغ تقترضه تونس منذ الاستقلال.

وتلتزم تونس مقابل موافقة المانحين الدوليين بإصلاحات اقتصادية يصفها الخبراء بالموجعة ويتوجس منها المواطن خيفة خاصة وأن جزءا منها يتعلق برفع الدعم عن المواد الأساسية ومن بينها مواد غذائية والتخفيض في كتلة الأجور بنسبة 15 بالمائة.

ويشار إلى أن المتحدث باسم صندوق النقد الدولي جيري رايس، قد قال في مؤتمر صحفي عقده مؤخرا، إن المفاوضات مع تونس لازالت جارية بعد أن انطلقت في أول شهر مايو وإنهم لم يحددوا بعد مبلغ القرض الذي تتم مناقشته أو تاريخا زمنيا لاختتام المفاوضات. 

في السياق، أعربت نائبة رئيس الولايات المتحدة الأميركية كامالا هاريس في مكالمة هاتفية جمعتها برئيس الجمهورية قيس سعيّد الثلاثاء عن دعمها لمفاوضات تونس مع صندوق النقد الدولي.

وتخوض تونس هذه المفاوضات في ظل أزمة مالية خانقة وصفها رئيس الحكومة هشام المشيشي في تصريحات لوكالة رويترز بـ “وضعية حرجة للمالية العمومية” تستدعي تنفيذ إصلاحات عاجلة بالتقليص في كتلة الأجور وتجنب العواقب الوخيمة لارتفاع نسبة الدين العمومي.

وسجلت تونس عجزا بنسبة 11.5 بالمائة في نهاية 2020 ونسبة نمو سلبية للاقتصاد في حدود 8.8 بالمائة بسبب تداعيات أزمة كورونا.

وعرض الوفد التونسي الذي ترأسه وزير المالية والاقتصاد علي الكعلي ومحافظ البنك المركزي مروان العباسي خلال زيارته إلى واشنطن على خبراء ومسؤولي صندوق النقد الدولي وثيقة الإصلاحات التي تعتزم الحكومة تنفيذها ومن أبرز تعهداتها تجميد الزيادة في الأجور خلال سنة 2021 وخفض نسبتها من 17.4 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2020 إلى نسبة 15 بالمائة في سنة 2022.

وقدرت كتلة الأجور بـ 19030 مليون دينار خلال سنة 2020، أي ما يعادل 60.6 بالمائة من موارد الميزانية باستثناء المنح والقروض وذلك مقابل معدل 52.2 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2010-2019.

وتأمل الحكومة التونسية في التوصل إلى موافقة الصندوق على خطة الإصلاح الإقتصادي وبدء التفاوض للحصول على قرض جديد بقيمة 4 مليار دولار.

 وأفاد الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان بأن المسار سيكون طويلا وأن “المفاوضات الرسمية لا يمكن أن تبدأ إلا بعد عدة مراحل تسبقها، ففي البداية ستتولى الفرق الفنية لصندوق النقد الدولي دراسة برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تقدمت به الدولة التونسية ثم تناقشه مع البنك المركزي التونسي وزارة المالية ووزارات أخرى وقد يستغرق الأمر شهرين على الأقل وفي صورة حصل اتفاق مبدئي يدخل الطرفان مرحلة المفاوضات ليتم فيما بعد عرض المشروع على الهيئة التنفيذية لصندوق النقد الدولي وقد تصل المدة إلى أربعة أشهر”.

وتساءل الخبير في تصريحاته لموقع سكاي نيوز عربية عن سبب تحول وفد تونسي إلى واشنطن في حين كان يجدر عرض خطة الإصلاح الاقتصادي عن بعد أو الاكتفاء بإرسالها إلكترونيا خاصة وأن لقاء الوفد التونسي مع مسؤولي صندوق النقد تم عبر الفيديو من مقر السفارة التونسية بالعاصمة الأميركية وهو ما كشفت عنه الناطقة الرسمية باسم الحكومة حسناء بن سليمان واعتبره مراقبون سوء تصرف من حكومة المشيشي في إدارة شؤون البلاد.

ورأى عز الدين سعيدان أن برنامج الإصلاح المقدم من الحكومة التونسية يفتقر لشيئين بارزين أولهما ضبط جدول زمني للإنجاز وثانيهما تحديد كلفة الإصلاحات ومصادر الموارد التي ستخصص للغرض.

وقال المختص في المجال الاقتصادي: “أجزم أن مقترح التحكم في كتلة الأجور في الوظيفة العمومية بتنزيلها من 17.6% من الناتج الداخلي الخام إلى 15% في ظرف سنة هو أمر مستحيل”، كما اعتبر أن الإجراء المقترح المتعلق بإلغاء منظومة التعويض والدعم هو “أسرع طريقة لتحشيد الشعب للنزول إلى الشارع واندلاع أزمة اجتماعية خطيرة”.

وأضاف عز الدين سعيدان أنه “سواء وافق صندوق النقد الدولي على إسناد الدولة التونسية قرضا أم رفضه فالنتيجة واحدة ولن يغير ذلك شيئا، حيث أن تونس مطالبة بتسديد 16.3 مليار دينار من مستحقات القروض سنة 2021، وهي تقترض لتسديد ديونها، وبذلك دخلنا دوامة إعادة جدولة الدين التي تمس من السيادة الوطنية”.

ويتّفق المختص في استراتيجيات إدارة الأزمات والمخاطر الاقتصادية سفيان بن ناصر في أن البلاد تمر بحالة إفلاس تقني فقد سجلت أكثر من 100 مليار دينار قيمة المديونية بين الداخل والخارج وهو ما يمثل نسبة 100% من إجمالي الناتج المحلي.

وقال في تصريحات للموقع “إنها المأساة، لقد بلغنا مرحلة إفلاس الخزينة العامة بما فيها من تهديد مباشر للسيادة المالية للدولة التونسية”.

وأكد أنه في حالة وافق صندوق النقد الدولي على طلب تونس تمكينها من قرض بقيمة 4 مليار دولار أي 12 مليار دينار تونسي فإن ذلك “في الحقيقة لا يمثل سوى قيمة تسديد الدين ولا يمكن استثماره في التنمية، فالبلاد مطالبة بدفع 14 مليار دينار سنة 2021.

وأضاف سفيان بن ناصر أن الوفد التونسي التقى خلال الزيارة الأخيرة إلى واشنطن بمسؤولين في الإدارة الأميركية لطلب الحصول أيضا على ضمان في قرابة مليار دولار أميركي أي ما يعادل 3 مليار دينار تونسي.

وكشف المختص في إدارة الأزمات الاقتصادية أن مسؤولي صندوق النقد اتهموا في وقت سابق المسؤولين التونسيين بـ”الكذب وأنهم ليسوا قادرين على تنفيذ خطة الإصلاح باعتبار أن المنظمات والأحزاب والهياكل الوطنية لم توقع على وثيقة الإصلاحات وغير موافقة على بنودها”.

الجدير بالذكر أن وكالة موديز للتصنيف الائتماني خفّضت خلال شهر فبراير الماضي تصنيف الإصدار الطويل الأجل للعملة الأجنبية والمحلية لتونس من B2 إلى B3، وحافظت على توقعاتها السلبية وهو ما يجعل الدولة التونسية غير قادرة على الخروج للأسواق المالية في الخارج إضافة إلى الوضعية الاقتصادية الصعبة في الداخل.

المصدر : Sky news arabia