الهدف الإخباري – جهاد محمد

انتظم أصدقاء المسرح من جديد في صالون أو منتدى أصدقاء المسرح بعد توقف بسبب كورونا ، حيث التقى محبو المسرح مساء الخميس 7 يناير في الصالون الذي ينظمه عاشق المسرح “عبد الرزاق العبارة” أول خميس من كل شهر ، في بيته بمنطقة الظهرة بطرابلس .

وبحضور عدد من المثقفين والمهتمين بالمسرح والثقافة والفن ، قرأ المؤلف والمخرج المسرحي “البوصيري عبد الله” قصته (جبّاد كنيف) من مجموعته القصصية التي لم تنشر بعد ، وتناولها الحاضرون بالإشادة والنقاش والتحليل عقب انتهائه من القراءة .

وكان مقرراً أيضًا خلال الأمسية مشاهدة فيلم قصير للمخرج “د. محمد المسماري” ، إلا أنه اعتذر وأبلغ الحاضرين بعدم تمكنه من اكمال عملية المونتاج بسبب انقطاع الكهرباء وأنه فضّل الإلتحاق بالأمسية عندما يأس من عودة الكهرباء وإستكمال العمل .

وبحسب “عبد الرزاق العبارة” يمثل الصالون بالنسبة لمحبي المسرح فرصة للتواصل والمحافظة على الحراك الثقافي المسرحي على الرغم من الأزمة التي يعانيها المسرح الليبي سواءً في عدد المسارح أو دعم نشاطات الفرق المسرحية أوالإنتاج المسرحي ، والصالون أهلي ولا يتلقى أي دعم من أي جهة ولكن ما يجمع الملتحقين به هو حبهم للمسرح والفنون .

ويقول “البوصيري عبد الله” أنه نسج قصته من الخيال مستحضراً الوضع العام في مدينة طرابلس خلال الثلاثينيات من القرن الماضي ، مع بعض الإسقاطات التاريخية والثقافية والإجتماعية التي ميزت المدينة خلال تلك الفترة ، وأن القصة تدور حول “استير” الفتاة اليهودية التي عشقت “عثمان” الشاب الفقير المسلم الذي يعمل “جبّاد كنيف” ، وأنه اختار هذه الحرفة التي انقرضت ولم تعد موجودة بشكلها القديم لما لها من دلالات على الواقع المعيشي لكثير من الأهالي ، إضافة لتعدد مكونات المجتمع الطرابلسي خلال تلك الفترة وتداخل العلاقات بين هذه المكونات بحكم العمل أو السكن أو العاطفة أو القدر .

ما هي مهنة “جبّاد الكنيف” :

يورد المحامي الراحل “محمد العالم الراجحي” في كتابه (محلة الظهرة – ملتقى الخصوصية والعمومية 1939 – 1969 ف) الآتي :

“ارتبطت السواني بالبيوت ، وأعطت لها الجمال والذوق ، واستلمت منها مئات البراميل من السماد ، فكانت المحلة كما كانت بيروت والقاهرة بلا شبكة مجاري ، فالآبار السوداء ، هي الحافظ لمخزون المراحيض ، فكل بيت كان يلتصق به كنيف وهو حفرة في وسع البئر بعمق يزيد على قامة خلف حائط المرحاض ، تصب فيه كل الفضلات دون غيرها من مياه المطهرة أو الأمطار لمنع فيضانها قبل آجالها شبه السنوية . تلك الحفرة كانت تسمى
(بيت الراحة) ، أو كنيف ، تغطى بسقف من طروف اللوح وصفائح الحديد ، وأحياناً من ألواح الإسمنت إذا كانت الحفرة عميقة أو في مسار السيارات والأحمال الثقيلة . وكل ذلك كان لا يمنع من انهيار سقف الكنيف وسقوط البعض فيه من الصغار والحيوانات الصغيرة والسيارات الرزينة .

قبل موعد فيضان الكنيف كان يستدعى (كراطون الخارجي) الذي كان يسير على عجلتين واسعتين بوسطهما برميل مفتوح وقلاب ، يجره حمار ويقود إنسان . على حافة الكنيف يستقر (الكراطون) وبدون أي تردد كان صاحبه يرفع سقفه بالقدر الذي يسمح بنزول جردل ، ولا أحد كان يتطوع للمساعدة أو التقد للفرجة ، ذلك الإنسان وحده كان يواجه لحظات انفجار الغازات التي لا تطاق ، وانفجار كتل الصراصير وانتشارها من حوله بأعداد لا يتصور معها وجود أحياء بداخل ذلك المخزون المظلم . كان يحذف الجردل في وسط هذا المخزون ويرفعه وهو ملآن بواسطة حبل ويكبه في برميل إلى أن يفيض ، وعنده يتحرك (الكراطون) إلى إحدى السواني لتفريغ حمولته . كان يستمر الحذف والجبد والكب والتفريغ إلى حين إخلاء الكنيف من كل محتوياته التي كانت تلون ذلك الإنسان بألوانها ولا تترك فيه بقعة صافية . وفي آخر رحلة يختفي (الكراطون) ، يلاحقه أثره في خط لا ينقطع مثل خطوط سكك الحديد ، كان يذكر الناس بجهد جبادي الماء وجبادي الكنيف في الشوارع الواسعة والأزقة الضيفة .” .

اختفت مهنة “جبّاد الكنيف” باختفاء شكل المدينة وتطورها العمراني بمرور الوقت ، والمناطق التي كانت غير حضرية أو أرياف خارج المخطط أضحت مركز للمدينة واستحدثت فيها المرافق وشبكات المياه والصرف الصحي ، وخرجت (الكنايف) إلى ضواحي طرابلس التي تم استحداثها خارج مخططات المدينة ، وجاورت البيوت حفر عميقة في باطن الأرض لإستقبال مياه الصرف الصحي من المنازل حتى إذا امتلأت جاءت شاحنة لإفراغها آلياً عبر الشفط ، وبتكرار تعبئتها وإفراغها يجرى الإستغناء عنها لفترة وحفر أخرى بديلة حتى تجف التربة حولها ويتكرر استخدامها كبديل عن تلك الأخرى وبالتناوب ، إلا أن محتوياتها لم تعد تذهب سمادًا للمزارع والسواني القريبة ، وتلك قصة أخرى .