في أحد الأنهار شمالي بلجيكا، تعمل عبّارة صغيرة بوقود يعلق الكثيرون عليه الآمال لخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من السفن حول العالم.

وهذا الوقود، الذي لا يزال قيد الاختبار في عبّارة “هيدروفيل” التي تتسع لـ 16 راكبا وتنتقل بين منطقة كرويبيك وميناء أنتويرب، هو الهيدروجين. وتتضمن عبّارة “هيدروفيل”، التي دشنت منذ ثلاث سنوات بوصفها أول سفينة ركاب تعمل بالهيدروجين في العالم، محركا هجينا، يعمل بالهيدروجين والديزل.

ويقول روي كيمب، المدير المنتدب بشركة “سي إم بي” المالكة لسفينة هيدروفيل: “قررنا أن نبدأ بتصنيع هذه العبارات اليوم، رغم أنه لا يوجد طلب عليها بعد. لكننا سنضمن بذلك أنه في غضون عشر سنوات ستصبح جميع السفن التي ننتجها منخفضة الانبعاثات. فهذا الهدف لا يتحقق بضغطة زر”.

وتصنّع شركة “سي إم بي” مراكب عديدة أخرى تعمل بالهيدروجين، منها عبارة تسع 80 شخصا في اليابان، تعتزم إطلاقها في مستهل 2021.

وتقول ديان غيلبين، مؤسسة تحالف الشحن الأخضر الذكي، إن نجاح هذه المراكب الهيدوجينية الصغيرة، قد يمهد لتطوير حلول تكنولوجية لا تؤذي البيئة للسفن التجارية الضخمة.

وتسهم في الوقت الراهن السفن بنسبة ثلاثة في المئة من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم، ومن المتوقع أن تزيد هذه الانبعاثات بنسبة 50 في المئة بحلول 2050 ما لم يتخذ القطاع خطوات جادة للحد منها.

وتعهدت حكومات في عام 2018 بخفض انبعاثات قطاع الشحن البحري بمقدار النصف بحلول 2050، لكن تحقيق هذه الوعود لا يزال يمضي بخطى بطيئة.

وتستهلك سفن الشحن كميات كبيرة من الطاقة. ولا يمكن خفض الانبعاثات إلا بتقليل استهلاك الطاقة، سواء من خلال ابتكار تصميمات للسفن موفرة للطاقة، أو تجهيزها بتقنيات لتسخير طاقة الرياح، أو إبطاء حركتها لتوفير الوقود أو ببساطة تقليل حجم البضائع المطلوب شحنها من بلد لآخر.

والأهم من ذلك، فإن خفض الانبعاثات من قطاع الشحن البحري – وهو مطلب ضروري للحفاظ على درجات حرارة العالم في المستويات الآمنة – سيكون مرهونا بإيجاد بديل للوقود الأحفوري.

وتعد شركة “سي إم بي” واحدة من الشركات التي تجري تجارب على كيفية استخدام الهيدروجين وأنواع الوقود الأخرى المصنوعة منه، كالأمونيا والميثانول، في سفن الشحن لخفض انبعاثات الكربون من القطاع. ويتميز هذا الوقود، الذي يطلق عليه في الغالب الوقود الاصطناعي، بأنه يمكن إنتاجه باستخدام الطاقة الكهربائية النظيفة الناتجة عن طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، فضلا عن أنه لا يطلق عند احتراقه الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

لماذا الهيدروجين؟

هناك بالطبع بدائل أخرى للوقود الأحفوري بخلاف الهيدروجين، مثل الوقود الحيوي، المصنوع من المواد النباتية أو مخلفات الحيوانات. لكن تريستان سميث، الباحث في انبعاثات الشحن البحري بكلية لندن الجامعية، يقول إن الوقود الحيوي يستخدم في أغراض عديدة في قطاعات أخرى، لكن من الصعب إنتاجه بطرق لا تؤذي البيئة.

وهناك أيضا البطاريات التي تشحن باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، لكن سعة البطاريات محدودة وقد لا تصلح لتشغيل السفن للمسافات الطويلة. فالسفن التي تعبر المحيطات ستحتاج إلى الكثير من البطاريات، إذا كانت تعمل بالكهرباء وحدها.

في حين أن غاز الهيدروجين، وغيره من أنواع الوقود الاصطناعي، يُستخدم بالفعل على نطاق واسع في العمليات الصناعية حول العالم. وقد تضاعف الطلب على الهيدروجين ثلاث مرات منذ عام 1975. لكن جلّ الهيدروجين المستخدم في الصناعة، ينتج باستخدام الوقود الأحفوري.

اقرأ المزيد : المانيا تمنح تونس 30 مليون يورو لتطوير سوق الهيدروجين الأخضر

وتشير الإحصاءات إلى أن إنتاج الهيدروجين يستهلك ستة في المئة من إجمالي الغاز الطبيعي واثنين في المئة من الفحم العالمي. وهذا الهيدروجين بالطبع ليس منخفض الكربون لأنه استخدم في إنتاجه الوقود الأحفوري، رغم أن السفن التي تعمل بالهيدروجين لا تطلق انبعاثات ضارة.

لكن الهيدروجين يمكن إنتاجه أيضا عن طريق استخدام مصادر الطاقة المتجددة لفصل جزيئات الماء في عملية التحليل الكهربائي للماء. وبسبب ارتفاع تكلفة هذه العملية، فإن الهيدروجين المنتج باستخدام هذه الطريقة لا يمثل سوى 0.1 في المئة من إجمالي الهيدروجين.

اقرأ المزيد : لتسريع عملية استصلاح القمر .. اليابان تعتزم إنتاج الوقود الهيدروجيني في القمر بحلول عام 2035

وتقول ماري هوباتوفا، خبيرة انبعاثات الشحن البحري بصندوق الدفاع عن البيئة: “إن الهيدروجين الأخضر قد لا يطلق إنبعاثات ضارة على الإطلاق طوال دورة حياته، أي من استخلاصه أو إنتاجه وحتى احتراقه”.

وتقول زياولي ماو، الباحثة في الفريق البحري بالمجلس الدولي للنقل النظيف: “إن منتجي الوقود (الهيدروجين الأخضر) يريدون أن يروا أولا ارتفاعا في الطلب على الهيدروجين حتى يشرعوا في الاستثمار في إنتاجه. وقد بات الأمر أشبه بالمعضلة، فإن قطاع السفن ينتظر الوقود وقطاع الوقود ينتظر تطور التكنولوجيا المناسبة في السفن”.

اقرأ المزيد : إنتاج وتصدير أول شحنة من الأمونيا الزرقاء إلى اليابان .. بتعاون “أرامكو” السعودية ومعهد اقتصاديات الطاقة الياباني (IEEJ) وبالشراكة مع “سابك” للصناعات الأساسية

وقد بادرت شركة “سي إم بي” ببناء محطة لتزويد السيارات والحافلات والسفن بالهيدروجين في ميناء أنتويرب، وستنتج المحطة الهيدروجين باستخدام جهاز محلل كهربائي.

المصدر : BBC