علاوة على أنها سنة الوباء، تميزت سنة 2020 في تونس أيضا بكونها ”سنة النفايات” بامتياز، فحكومة إلياس الفخفاخ لم تعمر طويلا في القصبة وأسقطتها صفقة لرسكلة النفايات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، لتفوح مرة أخرى روائح القمامة من الميناء التجاري بسوسة، وتطفو على السطح مجددا قضية أخرى لا تتعلق فقط بالفساد المالي وتضارب المصالح مثلما هو الشأن مع الفخفاخ وإنما تتعلق أيضا بجرائم بيئية وديوانية قد تكشف فيما بعد عن شبكات متجاوزة للقانون تنشط في هذه التجارة.

مطلع شهر نوفمبر الجاري، ظهرت للعلن قضية ”النفايات الإيطالية” إثر عرض تقرير تلفزي استقصائي لأحد القنوات التلفزيّة كشف عن توريد شركة خاصة لعشرات الحاويات من النفايات الإيطالية. وقبل التقرير التلفزي تنبه مواطنون نهاية شهر جوان الماضي، إلى انبعاث روائح كريهة من داخل عدد من الحاويات أثناء نقلها على الشاحنات من ميناء سوسة التجاري إلى مخازن إحدى الشركات الخاصة بالجهة.

وبعد تزايد حالة الاستياء وتحرك المجتمع المدني ومطالبته بالكشف عن طبيعة هذه الشحنة الموردة، وإثر بث التقرير التلفزي، تم فتح تحقيق كشف عن  توقع شركة خاصة مختصة في تدوير النفايات وإعادة تصديرها، لعقد مع إيطاليا يقضي بتوريد 120 ألف طن من النفايات خلال عام، وقامت بتوريد حوالي 282 حاوية من تلك النفايات، تسلمت منها مخازنها 70 حاوية في حين لا تزال 212 حاوية داخل الميناء التجاري بسوسة.

وأكّدت وزارة البيئة، أنها لم تقدم قطعا بإسناد أيّ ترخيص للشركة، التّي قامت بتوريد النفايات من ايطاليا وأنّ الشركة المذكورة تعمّدت القيام بعديد المغالطات في مختلف إجراءاتها، وخاصّة، فيما يتعلّق بإجراءات التوريد المحدّدة بالتشريعات الوطنية والإتفاقيّات الدوليّة وكذلك بخصوص تصنيف النفايات ضمن ملف التصريح الديواني.

وقام رئيس الحكومة، هشام المشيشي، إثر ذلك بإعفاء المدير العام للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، فيصل بالضيافي. ورغم أن الوزراة لم تقدم أسباب هذا الاعفاء، إلّا أنّه تزامن مع ذكر الوكالة الوطنيّة للتصرّف في النفايات كطرف في قضيّة توريد النفايات الايطالية في التقرير التلفزي الاستقصائي.

الانتربول يدق ناقوس الخطر


في شهر أوت الماضي، كشف تقرير استراتيجي لـ “منظمة الشرطة الجنائية الدولية” (الإنتربول)، عن ارتفاع ”مثير للقلق” في التجارة غير المشروعة في النفايات على الصعيد لدولي منذ سنتين. وأشار إلى الزيادة الملحوظة في استخدام الوثائق المزورة وتصاريح التسجيل الزائفة بشأن شحنات النفايات. 
يشير التقرير إلى الصلة بين شبكات الجريمة والشركات المشروعة المسؤولة عن إدارة النفايات، التي تُستخدم غطاءً لتنفيذ عمليات غير مشروعة. وغالبا ما يلجأ الجناة إلى الجرائم المالية وتزوير الوثائق لتنفيذ عملياتهم في أرجاء العالم. وهو ما قد يتقاطع مع صفقة الحال في تونس.

يؤكد “الانتربول” أن الصعوبات التي تعترض معالجة ومراقبة فائض النفايات فتحت أمام المجرمين باب انتهاز الفرص في هذا القطاع، سواء في إطار تجارة النفايات غير المشروعة أو معالجتها خلافا للقانون.
وحذّرت منظمة الشرطة الجنائية الدولية، من أن الإدارة السيئة للنفايات تلحق الضرر بالبيئة وتخلّف ركاما بلاستيكيا ورواسب بلاستيكية دقيقة على سطح الأرض وفي الأنهار والمحيطات في العالم أجمع. ويسهم البلاستيك أيضا في التغيُّر المناخي بسبب غازات الدفيئة التي يولّدها من إنتاجه إلى إدارة نفاياته، ودعت إلى تحديد وتقييم كيفية استغلال المجرمين لنقاط الضعف الحالية والجديدة في الأسواق وإلى النهوض بإجراءات إنفاذ القانون في مجالي الاستيراد والتصدير.

سموم قاتلة تحت مسمى ”نفايات منزلية”

عرفت بعض البلدان في العالم، عدة تجارب في توريد النفايات، كالصين وماليزيا، غير أن حاويات القمامة التي تصل إلى تلك البلدان بطريقة غير شرعية تحتوي على ما هبّ ودب، مثل علب الحليب الفاسدة، والأقراص المدمجة، والمواد الإلكترونية وهي كلها مواد سامة وخطيرة للغاية. وعندما فتحت ماليزيا الباب أمام هذا النوع من التصدير أصبحت ”مصب” للنفايات البلاستيكية التي تنتجها الدول الغنية، حيث استقبلت سنة 2018 أكثر من سبعة ملايين طن من النفايات، بعد أن زادت نسبة الاستيراد ثلاثة أضعاف عن 2017، لتصبح بذلك الوجهة الأولى للنفايات البلاستيكية في العالم بعد أن كانت الصين تحتل هذا المركز سابقاً.

يبرر البعض أن النفايات ليست كلها سامة، ويرجعون ذلك إلى عمليات الفرز التي تجرى في الدول المنشأ، غير أن وير البيئة الماليزية ”يو بي ين” قالت في ها الشأن: “مواطنو الدول الغنية يضيعون الوقت ليرتبوا بعناية النفايات في بيوتهم ولكن الأكياس تنتهي في مكبات في الدول النامية، حيث تتم إعادة تدويرها بطريقة غير قانونية، ما يؤدي إلى عواقب بيئية وصحية وخيمة”.

عندما قررت الصين سنة 2018، إيقاف توريد النفايات وإلغاء العقود التي أبرمتها في هذا المجال، ازدهرت تجارة النفايات في دول أخرى وفُتح الباب على مصراعيه أمام”مافيا النفايات” وسوق دولية غير شرعية بآلاف المليارات. وحسب ”وكالة تطبيق القانون الأوربية” (يوروبول)، فإن التخلص من حاوية من النفايات السامة بطريقة قانونية يكلف 60000 يورو فيما يكلف ذلك بطريقة غير شرعية 6000 يورو وهو ما جعل عديد الشركات تنخرط في هذه التجارة بصفة غير قانونية.


النفايات ومافيا ”لاكامورا” الإيطالية


بالإضافة إلى المخاطر البيئية، والمسالك غير القانونية، فإن توريد النفايات من إيطاليا يطرح بقوة فرضية تعامل الشركة التونسية مع المافيا الإيطالية. ففي سنة 2015، باشرت السلطات الأمنية بمدينة نابولي، تحقيقا في ملف تهريب النفايات الذي تديره العصابات المحلية بعد أن اكتشفت شرطة البيئة، مزبلة غير شرعية مدفونة، وعثرت على وحل من النفايات الصناعية و الطبية السامة و بقايا من الحرير الصخري ومواد البناء بقرية ”كازال دي برنسيبي” (Casal di Principe) وهي قرية صغيرة تعتبر وكر مافيا ”لا كامورا” بنابولي.
ويؤكد المحققون الإيطاليون أن تجارة النفايات لا تتوقف داخل الحدود الإيطالية وتدار من طرف شبكة إجرام دولية.
وتسببت النفايات التي تم حرقها وردمها في القرية، في ارتفاع الوفيات بمرض السرطان لدى صغار السن والشباب، وأثبتت دراسة من مؤسسة الصحة الإيطالية أن عدد المصابين بسرطان الكبد، المعدة والمثانة في المنطقة الواقعة بجنوب إيطاليا أصبح يفوق النسبة الوطنية وبأن هناك ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات بسرطان الدماغ والدم لدى الأطفال.

وتؤكد النيابة العامة بنابولي، أن تهريب النفايات يتم بطريقة معقدة وجد متطورة وتستعمل في ذلك وثائق مزيفة وشركات التي تنقل باسمها النفايات هي غير موجودة في الواقع. كل شيء مزور. الوثائق التي ترافق عمليات التهريب وجميع الفواتير تصدرها شركات مزيفة الأمر الذي يمكّن من تهريب نفايات غير شرعية تحت قناع شرعي”.

كما من المرجح أن يكون مصدر النفايات في قضية ميناء سوسة، منطقة ”كامبانيا” التابعة لنابولي، حيث سبق وأن أعلن رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماتيو رينزي” ، عن خطة لتحرير ”المزابل” من قبضة مافيا ”لاكامورا” والتخلص من أكداس النفايات الموزعة على مساحة تعادل مساحة 320 ملعب كرة قدم.

المصدر: قناة نسمة